محمد كرد علي

4

خطط الشام

ومن هذا الجيش ذاقت الشام أيام استيلاء الأشوريين عليها القهر والذل . وكان الفراعنة الذين امتد سلطانهم على بعض أرجاء القطر زمنا يجنّدون أحيانا من الشاميين ، ولكننا لا نعرف كيف كانوا يجندون ، وقد ظهرت نماذج من أنظمتهم الحربية عرفناها بما حفظ من آثارهم في المتحف المصري . وكانوا إلى العز أيام تماسك جيوشهم ، وإلى الذل إذا ضعف نظامهم في جنديتهم ، مثل أيام ملوك الرعاة المعروفين بالهيكسوس وهم العرب أو العمالقة . واشتهر العبرانيون أولا أنهم أمة حربية ، وكان لكل سبط من أسباطهم حامية أو جيش صغير يدفع به عدوه ، وقد لا يكون من الأسباط الأخرى . ولذلك كان بأسهم بينهم على الأغلب ، فكان العبراني أسدا على نفسه وعلى أبناء جنسه ، ونعامة يوم يوافيه الغريب ، يؤثر أن يرأم للذلة ، على أن يرخص روحه في الذود عن حماه . وكان بقاء الشعب الإسرائيلي في التيه على عهد موسى الكليم سنين طويلة من الحكم التي قصد بها انقراض شيوخهم المستضعفين ، وتربية الشبان على الأخلاق الحربية ، فتجدد شباب هذه الأمة بهذه الرحلة الطويلة . ولما جاءت جيوش بخت نصر الفارسي وأدريانوس الروماني إلى فلسطين أذاقت أبناء إسرائيل الويلات ولم يغن عنهم ما جيّشوه من الجيوش ، ولا ما كتّبوه من كتائب . جيش اليونان والرومان : كانت جيوش الأمم القديمة كما هو الحال عند بعض الأمم الحديثة ولا سيما المستعمرة أخلاطا من الشعوب وأجيالا من الناس . والأمة التي يكون جيشها من عنصر واحد أو سواده الأعظم منه تكتب لها الغلبة على الأكثر ، ويكون نظامها أتم وتحمّسها في النيل من العدو أكثر ، وما نظنّ أن الجيش الذي جاء به الإسكندر المقدوني إلى هذه الديار وهو لا يتجاوز الثلاثين ألف راجل وأربعة آلاف وخمسمائة فارس ، إلا مؤلفا من عنصر واحد ، وهو الجيش الذي غلب الفرس على كثرة جيوشهم وقضى على دولتهم وسلطانهم وفتح الشرق القريب والأوسط .